:: Ordre Des Carmes Déchaux Au Liban :: Nos saints
Page d'accueil Nos saints
Sainte Thérèse de Jésus (d’Avila)
Vocation

الرَّحمة الإلهيَّة وتريزا ليسوع – 4 -
(ضمن سِلسِلة محاضرات أُلقِيَت خلال رياضة سنويَّة لِرُهبان الكرمَل)
الأب جان عبدو الكرمَلي


«بمراحم الربّ للأبد أتغنّى» مع القديسة تريزا ليسوع الافيلية
إبّان إظهارِ ذاتِه لأمّنا القديسة تريزا ليسوع، كشفَ لها اللهُ الرحومُ أيضًا عن ماهية الانسانِ في رؤيةٍ امتزجَت فيها جودةُ المعرفةِ اللاهوتيةِ مع عمقِ التأمّلِ الصوفي. إبّان إظهارِ ذاتِه للقديسة تريزا، كشفَ لها اللهُ الرحومُ أيضًا عن ماهية الانسانِ في رؤيةٍ امتزجَت فيها جودةُ المعرفةِ اللاهوتيةِ مع عمقِ التأمّلِ الصوفي. وجاءَت جميعُ كتاباتِها مشبَعَةً من خُبُراتِها الشخصيّةِ ومعرفتِها اللاهوتيةِ عن الانسانِ. والتي سمَحَت لها، وبنعمةٍ إلهيةٍ، أن تكتُبَ آخرَ مؤلفاتِها، باكورَة أعمالِها: «المنازل أو القصر الداخلي».
اهبةٌ تأمليّةٌ بامتيازٍ، نقلت لنا ما أوحاهُ اللهُ لها عن ماهيةِ الانسانِ، وما اختبرَتْه من خلالِ نعمةِ القرانِ الروحي، حيثُ تنكشفُ ذاتُ الانسانِ تمامًا أمامَه على ضوءِ الوحيِّ الالهيِّ.
وفي لقائِنا اليومَ، سنحاوِل أن نكتَشِفَ معًا الانسانَ، صورةَ اللهِ ومثالَه، في المفهومِ التريزيانيِّ وكما أوحيَ للقديسةِ بفضلِ الرّحمة الالهية.

ماهية الانسان
بؤس الانسان:
نظرة تريزا الشخصيّة
الضعف «النفسجسمي» (faiblesse psychosomatique)
الخطيئة
مخلوق في الضعف
عظمة الانسان: نعمة ورحمة
حبّ المسيح الرحوم
المسؤولية الشخصية
القداسة فِعلٌ الهي.

بؤس الانسان: نظرة تريزا الشخصية
إنه واحدٌ من أكثرِ المصطلحات المعتمدةِ في كتاباتِ تريزا هو مصطلحُ الـ«بؤس» (misère) ومشتقاتِه. والاصرارُ على استعمالِ ذلكَ المصطلحِ يعودُ إلى عدةِ أسبابٍ:
- كونُ القديسةِ شخصًا متواضعًا جدًا وذلك بشهادة مُعرّفيها.
- تأمّلُها بقداسةِ اللهِ الذي جعلَها تُدركُ مُتطلباتِ الحبِّ الالهيّ.
- إدراكُها من خلالِ خبرتِها الصوفيّةِ حقيقةَ الخطيئةِ ومدى الاهانةِ التي تَتَسَببُها الخطيئةِ بحقِ لله.
فما يَجبُ أن نحفظَهُ من تعاليمِ القديسةِ هو الواقعيّةَ الروحيّةَ (réalisme spirituel): فهي تتأمّلُ الانسانَ مقارنةً بالله. «وفي ظنِّي، أننا لن نعرفَ ذواتنا أبدًا إذا لم نحاول معرفةَ الله. فإذا نظرنا عظمته، فلنَعُد إلى حقارتنا، وإذا نظرنا نقاءه، رأينا قذارتنا، أو نظرنا تواضعه، رأينا كم نحن بعيدون عن التواضع» (المنازل الأولى 9 ،2).

فالانسانُ مقارنةً باللهِ ما هو إلاَّ «بؤسٌ»، لا بل عدمٌ. ونُضج تعليم القديسة نراه عند ادراكها سموّ كرامة الانسان ودعوته والتي وصفتهما في كتابها «المنازل أو القصر الداخلي».
فكثيرًا ما نراها في كتاباتِها تأتي على ذكرِ أخطائِها، وضعفِها، وما تُسميه بؤسَها الجسديَّ والنفسيَّ. كما أنّها شدّدَت دائمًا على أنّها ما كانَت لتقومَ بأعمالٍ ترضي الله، أو تَخدمَهُ كما يجب.
ففي حضورِ الله في التأمّلِ، اختبرت القديسةُ، طويلا، وبألمٍّ شديدٍ واقعَها الانسانيَّ أي بؤسَها. «أيمكن، ربّي، أن توجد نفسٌ غمرتَها بنِعَم ومسرّاتٍ كهذه، وتدركُ أنّك، تسرّ بمعشرتِها فتعود إلى إهانتك بعد هذه الأفضال العديدة والدلائل الكثيرة على حبِّك إيّاها حبًّا لا شكّ فيه، انّ آثارَه ظاهرةٌ للعيان؟ أجل، هناك نفس، حقًّا، لم تُهِنْك مرّةً فقط بل »مرّاتٍ كثيرةً: أنا هي. ليتني، ربّي، بجودٍ منك، أكون وحدي العَقوق ومن اقترفتُ هذا اللومَ الجسيم، وأتيتُ هذا العُقوقَ المفرط (السيرة 14، 10).
ان أقسى درجاتِ البؤسِ الأخلاقيِّ بالنسبةِ إلى القديسةِ هي مبادلةُ حبِّ الله بالجحودِ والنكرانِ. وكلمّا أغدقَ اللهُ عليها مِنَنَهُ العظيمةَ، كلمّا تحسّرَت على «عقوقِها» و «قِلّةِ احترامِها» و «دناءتِها» (المنازل السادسة 7، 2).
فبينَ الاشاراتِ التي تدلُّ على وصولِ النفسِ إلى مفاعيلِ «تأمُّل الاختلاءِ» هي إدراكُها عظمةَ اللهِ من جهةٍ وبؤسَها من جهةٍ أخرى.
ويتضاعفُ عندها هذا اليقينُ، عندما يَمنُّ عليها اللهُ بنعمةِ التكلُّمِ معَها: «حين كنت أنا أقوم بالتأمّل ذات ليلة، بدأ الربُّ يلقي إليَّ كلامًا يذكِّرُني به كم أن حياتي كانت سيِّئة، فأحدث كلامه في نفسي اضطرابًا شديدًا وغمًّا مريرًا. فلئن لم يكن كلام الربّ قاسيًا، فإنَّه يولِّد أسفًا وحزنًا يحطِّمان، وواحدةٌ منه تفيدُنا في معرفة ذاتِنا أكثر منن قضائنا أيّامًا عديدةً نتبصّر بؤسنا؛ فهو كلامٌ يطبع فينا حقيقةً لا نستطيع نكرانها» (السيرة 38، 16).
فحينَ يَتّحِدُ ادراكُ الانسانِ بالـ «الحقيقةِ» المطلقةِ، يصلُ إلى أقصى درجاتِ المعرفةِ الشخصيّةِ. وهذا ما عبّرت عنهُ القديسة عندما وصَفَت مفاعيلَ «تأمل الاتحاد»: «تحقِّقُ النفسُ هنا تقدُّمًا أكبرَ وارتفاعًا أسمى ممّا في حالات التأمّل السابقة، وتكون أكثرَ تواضعًا، لأنّها ترى بوضوح أنّ تلك النعمةَ العظيمةَ الساميّة لم تتوفّرْ لها بجَهدٍ منها، وأنّها، هي، لم تكن فريقًا للحصول عليها أو امتلاكها. وتتبيَّن عدَم استحقاقها، لأنّ غرفةً يغمرها نورُ الشمس لا تستتر فيها شِباكُ العنكبوت. هكذا ترى بؤسها... تتمثَّل لها فيما بعد حياتُها الماضية ورحمةُ الله العظيمة حقيقتين ناصعتين (السيرة 19، 2).
وتَخْلُصُ تريزا في تعليمِها، أن النفس ومن تلقاءِ ذاتِها قادرةٌ على فعلِ الشرِّ. وأن كلَّ ما يصدُرُ عنها من خيرٍ هو نعمةٌ من الربِّ الرحومِ.
فبشكلٍ قاطعٍ، تتكلمُ القديسةُ عن:
- عقوقِها الكبيرِ وسوءِ تصرفِها (السيرة 4، 11).
- خِضمِ مساوئِها (السيرة 18، 8).
- أنه لم يوجَد في العالم من هو أعظمُ شرًّا منها (التقارير 1، 16).
وتهدفُ القديسةُ من خلالِ تسليطِ الضوءِ على «بؤسِها» ابرازَ «الرّحمة الالهيّةِ».
بؤس اللإنسان: الضعف «النفسجسمي»(La faiblesse psychosomatique)
تتكلّمُ تريزا كثيرًا عن «الطبيعةِ» أو «الطباعِ» الضعيفةِ. وهو مصطلحٌ غالبًا ما يدلُ على الضعفِ الجسديَّ والنفسيِّ الذي يرافِقُه. في كتابِ «التأسيسات» أوضحَتْ قائلةً: «إن قوّة الروح تسيطر عليه [أي الطبع] وتقيّده إذا كان الطبعُ ضعيفًا» (التأسيسات 6، 3).
وفي كتابِ السّيرةِ أوضحت: «أن طبيعتَنا أشدُّ ميلاً إلى الشرِّ منها إلى الخيرِ» (السيرة 2، 3).
كثيرًا ما عانَتْ القديسةُ من آلامِها الجسديّةِ وتجربَتِها الطويلةِ مع المرضِ. وبما أنَّ النفسَ مرتبطةٌ بالجسدِ، فهي تتأثرُ بتأثراتِه وتضعفُ بضعفِه. «إن نفسنا هذه السجينة تشارك الجسد مصائبه، فتغيُّرات الأزمنة وتقلُّبات الأمزجة التي تطرأ على الجسد، غالباً ما تجعل النفس عاجزةً، ولا ذنب لها بالأمر، عن فعل ما تريد، بل تسبِّب لها آلامًا منوّعةً... إنها لمحنةٌ رهيبةٌ أن تحبّ الله نفسٌ ترى ذاتها تعيش في هذا الشقاء وتعجِز عن تحقيق ما تريد لأنّ لديها ضيفًا ثقيلَ الظل كهذا الجسد» (السيرة 11، 15).
وذلك الضعفُ عزتْهُ القديسةُ إلى كونِها امرأةً ، فجاءَ قولُها: «وليكن معلومًا أنّ ضعفَ الطبع يبلغ حدّ الهزال، خصوصًا عند النساء؛ ويظهر ذلك أكثر ما يظهر في طريق التأمّل» (التأسيسات 8، 6).
وحتى في سلامِ القرانِ الروحيّ، كانت نفسُها تتخبّطُ مرارًا مع ضعفِها «النفسجسمي». وأوضحَت ذلكَ في كتابِ المنازلِ، حيث قالَت لأخواتِها الراهباتِ: «لا تعتقدْنَ، يا أخواتي، أن هذه المفاعيل [مفاعيل المنازل السابعة] التي ذكرتُ تبقى ثابتة دائمًا في هذه النفوس. ولذا متى ذكرتُها قلتُ: «عادةً». فإن ربَّنا يتركها أحيانًا على سجيَّتِها فيخال، عندئذ فقط، أن جميعَ الحيوانات السامّة في الرَّبض وفي منازل هذا القصر تآمرت لتنتقمَ عن الزمن الذي لا تستطيع فيه أن تنالَ منها. الحقيقة، ان هذه الحال تدوم قليلاً: يومًا في الغالب أو ما يجاوز اليومَ قليلاً» (المنازل السابعة 4، 1-2). لكنَّ الربَّ سوفَ «يعطيها شجاعة كبرى لئلا تحيدَ في شيءٍ عن خدمته وعن عزائِمِها الصالحة... فلا تحيدُ عنها ولو بحركةٍ أوليّة طفيفة» (المنازل السابعة 4، 2)

بؤس الانسان: الخطيئة
أليست الأنفسُ البائسةُ هي خاصةً من يقترفُ الخطيئةَ بسببِ عقوقِها وشوائبِها وضعفِها؟!!
أما القديسةُ تريزا فكانَ لها امتيازُ اختبارِ مراحِلَ مختلفةٍ استطاعَت عبرها الوصولَ إلى الكمالِ الروحي الذي حرّرَها من ضعفِها وعقوقِها. وكتابُ «المنازلِ» هو أكبرُ شاهدٍ على ذلك. فهو يحتوي على ما يُشكّلُ فِكرَها ورؤيتَها عن الخطيئةِ. إن التأمّلَ أساسيٌّ في حياةِ القديسة. إنه أشبهُ بـ«علاقةِ صداقةٍ» مع الله. لذا تمحورت حياتها كلُّها حولَ التأمّلِ، ومارسته بقوّةٍ متناميةٍ حتى توصلَت الى القرانِ الروحيِّ. ففي كتابِها «خواطر في حبِّ الله»، حيثُ عمَدَتْ القديسةُ إلى توجيه راهباتِها نحو معرفةِ حبِّ الله، فأظهَرَت الخطيئةَ وكأنّها النقيضُ الأشدُّ لـ «علاقةِ الصداقةِ» تلك.
فبالنسبةِ للقديسةِ، فان الخطيئةَ هي إبرامُ عقدٍ مع الشيطانِ نفسِه، وبالتالي يُصبح الخاطئ «والشيطان صديقين» (خواطر في حبّ الله 2، 1).
كما توضح في «الابتهالاتِ»: «ان الخطيئة حرب نظامية ضدّ الله تشنّها حواسّنا جميعها وقوى النفس» (الابتهالات 14، 2).
فمثلُ جميعِ الخطأةِ، نُصبحُ تحتَ رحمةِ «قائدهم الجهنمي» (الابتهالات 12، 3): أي الشيطان. تتكلمُ تريزا عن حقيقةِ وجودِ الشيطانِ وعملِه بقناعةٍ راسخةٍ. وذلكَ يعودُ كونَها كثيرًا ما رأتْهُ ورأت جُهنّم في انخطافاتِها. قويةٌ بتجبرتِها، تشدّدُ القديسةُ بقولِها: «لأن فهم هذا الموضوع ذو أهميّة، أشير هنا إلى السلاح الذي يُصوِّبه الشيطان إلى نفس ليقتنصَها، وإلى براعة الربّ ورحمته اللتين يستخدمهما لاستعادتها إليه» (الابتهالات 14، 2).
وتعودُ تريزا في كتابِ «المنازلِ» لتشبِّهَ اَلخطيئةَ وكأنّها تحالفٌ مع الشيطانِ. وذلكَ بهدفِ توضيحِ ماهيةِ الخطيئَةِ ونتائِجِها. إنّها «دُجنة وظلام» تلقي بظلالِها على جمالِ النفسِ.
ووحدَه في العودةِ إلى داخلِ «القصرِ»، عن طريقِ التأمّلِ، يُمكن للنفسِ أن تكتشفَ من جديد جمالِها، وتتألَّق تحتَ نورِ شمسِ اللهِ، صافيةً كالبلورِ

بؤس الانسان: مخلوقٌ في الضعف
«الخلاصة، أن لا علاج لهذه العاصفة إلا ترقُّبُ رحمةِ الله؛ فهو، في ساعةٍ لا تُخال، بكلمةٍ واحدةٍ منه أو بظرفٍ ما يحصل، يبدِّد كلَّ شيءٍ سريعًا وكأنَّ الضباب لم يَغشَ تلك النفس؛ فالشمس تغمرها الآن، وعزاؤُها أوفر» (المنازل السادسة 1، 10).
نالتِ القديسةُ من المسيحِ في لحظةٍ واحدةٍ، أي لحظة اهتدائِها عام 1554، ما لم تكتسِبْه هي بمجهودِها الذاتيّ طوالَ حياتِها. ومنذ تلكَ اللحظةِ، كَبُر عندَها الخوفُ منَ الخطيئةِ بالتزامنِ مع ازديادِ حبِّها لله. انما بينَ 1554 و 1560، وصلَت تجربَتُها مع ضعفِها إلى ذروتِها. وكان كلُّ من حولِها مقتنعًا أن بها مسًّا من الشيطانِ. فوَجَدت نفسَها فجأةً وحيدةً وقد تخلّى عنها المقربون. فاذا بها تعيشُ حالةً من الوحدةِ والعزلةِ، بل حالةً أقربُ منها من حالةِ «الخاطئ المنبوذِ». فكانت لها تلك السنين أشبهَ بـ «الليل المظلم»، حيثُ اتحدت خلالَها بالمسيحِ واختبَرَت في ذلك الاتحادِ عظمةَ رحمةِ الله. وكثيرًا ما نلاحظُ أنّ القديسةَ تتشبَّهُ بالعشَّارِ الذي وقفَ بعيدًا، خاشيًا أن يرفَعَ عينيهِ نحوَ السماءِ، وقارعًا على صدرِه قائلا: «اللهمّ ارحمني، أنا الخاطئ» (لوقا 18، 13-14).
فنراها تقومُ بالتصرفِ نفسه عند مواظبتها على «تأمّلِ السكينةِ» والذي عَبرَهُ تصالحت مع اللهِ وذاتِها، وتعرّفَت إلى رحمتِهِ ونشأت علاقَةُ صداقةٍ بينهُما. «لأنه بقوّة الحبّ تُحِسُّ [النفس] كلَّ ما تعمله خفيفًا، وترى واضحًا أن الشهداء ما كانوا يبذلون الكثيرَ في الشدائد التي يعانون، لأن الأمرَ سهلٌ مع مساعدة ربَّنا هذه» (المنازل السادسة 4، 15).
لأنه عندما تعودُ النفسُ إلى ذاتِها، تكبُرُ رغبتُها في أن تكونَ بتصرُفِ اللهِ وتخدُمَه وتُحبَّه؛ عندها تتعرّفُ على ذاتِها كما يَعرِفُها الله؛ فهي ترى الآن بعينيّ اللهِ، وعلى ضوء حبِّه.
فنظرتُها لبؤسِها لم تعدْ نظرةَ انطواءٍ على الذاتِ، إنما نظرةُ توبةٍ خلاصيّةٍ. «أما التواضع الحقّ، (على اقرار النفس ببؤسِها، وحزننا لمعرفتنا ما نحن...) فلا يرافقه صخبٌ،ولا يُقلقُ النفسَ، ولا يُغشيها الظلام أو يصيبها الجفاف، بل بالأحرى يُبهجها... إنه عناءٌ يقوي النفسَ حين ترى أن لله يمنُّ عليها بنعمةٍ كبيرةٍ بإرساله إيّاه لها... تتألم لأنّها أغاظت الله ؛ ورحمتُه من جهة أخرى تَشرَح صدرَها» (السيرة 30، 9).
وتلكَ المعرفةُ ليسَ لها من غايةٍ سوى أن تجذُبَ النفسَ نحو خالقِها وأن تتأمَّلَ مراحِمَه. «فكلّما ازداد الشرّ ازداد تألق خيرِ مراحمك العظيم. فما أولاني أن أترنّم بمراحمك إلى الأبد» (السيرة 14، 10).
كما أن تلكَ المعرفةَ سمحَت لتريزا أن تختبِرَ معاناةً فريدةً، وهي أنها أدرَكَت أنه بالرُغم من رحمةِ اللهِ اللامتناهيةِ للانسانِ، يُمكنُ لهذا الأخيرِ أن يرفُضَها لتماديهِ واصرارهِ على الخطيئةِ.
لهذا نراى القديسةَ تتخذُ دعوةً رسوليّةً في تأمّلِها، اذ شعرَت أنها «مستعدةٌ، عن طيبةِ خاطر، لتكبُّد ميتاتٍ عديدة» (السيرة 32، 6) لتنقذَ نفسًا خاطئةً، ولو واحدةً، من العذاباتِ المريعةِ.

عظمة الانسان: نعمة ورحمة
«أنظر، يا ربّ، اننا صنعك. فليكن عونًا لنا جودُك ورحمتك» (الابتهالات 8، 3).
إن أساسَ كلِّ مسارِ النفسِ المفتداة بدمِ المسيحِ، هو بالنسبةِ إلى القديسةِ تريزا، معرفةٌ ذاتيةٌ على ضوءِ الايمانِ.
فالنفسُ مخلوقةٌ على صورةِ اللهِ ومثالِهِ، حيث يسكُنُ والله في وسطها. لذا تُشبِهُها القديسةُ بـ «قصرٍ مكوَّن من ألماسةٍ واحدةٍ، أو من بلّورةٍ شديدة النقاء».
وكما أنه «في السماء منازلُ كثيرةٌ» (يوحنا 14، 2) كذلك فان هذا القصرَ مؤلفٌ من عدّة منازلَ. ولكن «يقوم في وسط هذه المنازل، في قلبها كلِّها المنزلُ الأهمّ حيث تجري أخفى الأمور بين الله والنفس» (المنازل 1، 1، 3)
وهذا المنزلُ الأهمُ ما هو إلا «الروح»، بالمفهوم التريزياني، حيث تَتّحِدُ النفسُ باللهِ وبنعمة القِران الروحي. فالجسدُ هو سورُ القصرِ، والنفس هي «فردوسٌ يجد فيه لله نعيمه» (المنازل 1،1،1)

إنَّ الروح هو مسكن الله
ولهذا فإنّ النفسَ متشحةٌ بجمالٍ فائقٍ وقدرٍ عالٍ وطاقةٍ وافرةٍ. فالرّحمة الالهيّةُ أوحت لتريزا بسموِّ كرامتِها من خلالِ عظمةِ الحبِّ الالهيِّ الذي سَتَرَ لها جميعَ عيوبِها وخطاياها.
وعن طريقِ التأمّل، اكتشفَت تريزا الانسانَ، صورةَ الله ومثالِه، لذا جاء في تعاليمِها أنه لكي تتمكَّن النفسُ من دخولِ «القصر الداخلي» يجب على اللهِ أن يُعلِمَها التأمُّلَ. فان«أعظمَ رحمةٍ» غمرَ بها اللهُ القديسةَ أنها بقيَت لديها «الجسارة على ممارسة التأمّل» (السيرة 8، 2). وبهذه الطريقةِ تخلعُ النفسُ عنها «الغطاءَ الأسودَ» وتلمعُ مثلَ «البلورةِ تحت أشعةِ الشمسِ». كما وأنّه على النفسِ أن تجهدَ في التأمّلِ وممارسةَ الفضائلِ.
«ان ملك المجد لن يأتي إلى نفسنا – أي لن يتَّحدَ بها- إن لم نجتهد في اكتساب الفضائل الكبرى» انما «يغمر الله أحيانًا بهذا الفضل العظيم أشخاصًا في حالة سيِّئة لينتزعهم بهذه الوسيلة من يدي الشيطان... تباركَتْ رأفته العظيمة ورحمته» (طريق الكمال 16، 6-7).

عظمة الانسان: حبُّ المسيحِ الرّحوم
إنَّ مستَهَل كلّ ارتقاءٍ روحيٍّ هو اختبارُ حبِّ يسوعَ المسيح الرحوم. فمجانيّة هذا الحبِّ تقودُ النفسَ الانانيةَ إلى التأمّلِ شيئا فشيئا بالله وبحبِّه الرحوم. «كنت ذات يومٍ في عناء كبير لأني أهنت الله، فقال لي: «خطاياك كلّها أمامي كأنّها لم تكن، تشجّعي لما بعد الآن، فإنّ مشقّاتك ما انتهت» (التقارير 66).
فبعدَ أن استحوذَ عليها ذلكَ الحبُّ، اكتسبتِ القديسةُ ديناميكيةً جديدةً وخلاصيّةً. «لأنَّ الربَّ يعرف حقّ المعرفة ما يوافقنا، وأنّ لا قوّةَ لنفسي تساعدها على خلاصِها إن لم يجعلها الربّ فيها بما غمرها من نِعم» (السيرة 18، 5).
فاللهُ يتعاطفُ مع النفسِ الضعيفةِ والمنجذبةِ إلى الحياةِ الدنويّة، كمثْلِ ما كانت عليهِ القديسةُ. «إنّ نسوةً ضعيفاتٍ مثلي، تُعوزهنّ الشجاعة، من المناسب، في رأيي، أن ينفحهنّ الله ببعض المسرّات كما يفعل معي حاليًّا لأستطيع أن أتحمل أتعابًا أراد، عزّ وجلّ، أن تُلقى عليّ» (السيرة 11، 14).
المنازل الثالثة: بعد أن اكتشفت حبَّ اللهِ لها، تتأهبُّ النفسُ لحبِّ الله بحماس.
المنازل الرابعة: تكتشفُ النفسُ «ملذات الله» أيّ مفاعيلَ«تأمّل السكينة».
المنازل الخامسة: تتحوّلُ «دودةُ القزّ» الكبيرةُ البشعةُ (أي النفسُ) بفعل الروحِ القدسِ إلى فراشةٍ ثملةٍ من خمرِ الحبِّ.
المنازل السادسة: يتضاعفُ تدخلُ الله، فها هي النفسُ منصاعةٌ لعملِ الرّوحِ ومستسلمةٌ للرّحمةِ الالهيّة.
المنازل السابعة: ترى النفسُ أنّ الأقانيمَ الثلاثةَ لم تفارقها قطُ، وتختبرُ من الآن وصاعدًا حبَّ «القران الروحي».

«أراد (الله) أن يتحدّ بالخليقة اتحادًا، فلا يريد أن ينفصلَ عنها، مثله مثل اللذَين لا يستطيعان بعدُ أن ينفصلَ أحدُهما عن الآخر» (المنازل السابعة 2، 3).
وهذا الحبُّ نارٌ تُضرِمُ النفسَ وقد شبهتها القدّيسةُ بـ«عنصرةٍ»، بحيثُ يمنُّ عليها الله كلَّ يومٍ نعمًا كبيرة.
اذ قاد حبُّ المسيحِ الرّحومِ تريزا إلى اتحادٍ محوّلٍ لدرجةِ أنه حررها من بؤسِها الاخلاقيّ وحوّلَها إلى المسيح.
«فرؤيتي المسيحَ طبعت فيّ جماله الرائع، وما زال إلى اليوم مطبوعًا. كانت تكفي لهذا رؤيته مرّةً واحدةً... واستفدتُ أجزلَ فائدة وهي: أنه كان بي نقيصةٌ جسيمةٌ سبّبت لي أضرارًا بالغة. فعندما كنتُ أشعرُ بأنَّ شخصًا يكنّ لي المودّةَ، ويروقني أمرُه، أتعلّقُ به حتى تصيرَ ذاكرتي أسيرةَ التفكير فيه... وبعدُ أن شاهدتُ جمالَ الربّ الفائق ما عدتُ رأيتُ أحدًا بإزائه حسنًا ولا جديرًا بأن يشغلَني» (السيرة 37، 4).
إنَّ ملخَّص تعليمِ القديسةِ أنّ من يريدُ «الكمالَ لا يبلُغُه في وقت قصيرٍ إلا من يريد الربُّ، بامتيازٍ خاصٍ منه، أن يُعطيَه هذه النعمة» (السيرة 31، 17).
فمن دونِ المبادرةِ المجانيّةِ من قبلِ اللهِ المحبِّ الرّحومِ، لم تستطع القديسةُ «امتلاكَ الفضائلِ الكبرى التي يمتلكُها ذوو الكمال» (السيرة 10، 6).

عظمة الانسان: المسؤولية الشخصية
ان كان الله قد حقق كلَّ شيءٍ في القديسةِ تريزا، فلما القديسونَ قلائلُ؟
تجيبُ القديسةُ عن هذا السؤالِ في كتابِ السيرة (الفصل الحادي عشر) مظهرةً أهميّةَ مسؤوليةِ النفسِ الراغبةِ في القداسة.
فتُبيِّنُ لنا ضرورةَ التقاءِ المبادرةِ الالهيّةِ بالتزامِ الانسانِ وسعيه نحو الكمال.
«إنّ الربّ ليصنع رحمةً وافرةً مع من يؤتيه النعمة والشجاعة ليعزم على السعي إلى هذا الخير بكلّ قواه. فليثابر هذا، لأنّ الله لا يمتنع على أحد، بل إنّه يقوّي العزم شيئًا فشيئًا ليخرج منتصرًا» (السيرة 1، 4).
فبالنسبةِ للقديسةِ إنَّ «عبيدَ الحبِّ» هم من عَزموا أن يتبعوا، عن طريق التأمّل، من أحبَّهُم هذا الحبَّ العظيمِ. اذ انّ الأساسَ يرتكزُ على الرغبةِ، والنيّةِ العميقةِ، والقصدِ الدؤوب، حتى ولو أنَّ الهدفَ ليس بمتناولِ الانسان. لذا على النفسِ أن تثابرَ في تأمّلِ حبِّ اللهِ الرحومِ كي تصِلَ إلى الاتحادِ به. «أنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا» (يوحنا 15،5).

القداسة فِعلٌ الهي
«إني لكَ ولكَ وُلِدتُ ماذا تريدني أن أكون؟
يا جلالا ساميًا،
يا حكمةً أبدية،
يا صلاحًا خيّرًا لنفسي،
الله، يا ذا السموّ، الكائن الواحد، أيّها الصلاح،
أنظر شدَّةَ الحقارةِ
التي تنشدك اليوم الحبّ،
ماذا تريد أن تجعل مني؟» (القصائد 2)

تريزا ليسوع الأفيلية، بكليّتها، هي «فعلُ» الرّحمة الالهيّة. فالله هو من خلقَها وافتداها. وقد بلغتِ الرّحمة الالهيّة ذروتَها عندما حَبَاها الله أن تحيا حياتَهُ؛ أي حياةَ قداسةٍ. يقودُها حبُّ الله الآب، يَعضِدُهها حضور الله الابن، ويُنيرها نور الله الروح، هكذا عاشت تريزا مصيرَها الانسانيّ-الالهيّ. تعيشُ حياةَ المسيحِ ولا تبغي إلا أن تنالَ رحمة الموت من أجله.

Saint
Joseph Epoux de la V. Marie

Sainte
Thérèse de Jésus (d’Avila)

Saint
Jean De La Croix

Sainte
Thérèse de l’Enfant Jésus de la Sainte Face

Sainte
Thérèse-Bénédicte de la Croix

Sainte
Marie de Jésus Crucifié

Sainte
Elisabeth de la Trinité

Bienheureuse
Thérèse Marie de la Croix

Saint
Raphael Kalinowski

Bhx. Fr.
Marie-Eugène de L'Enfant Jésus

Autre Saints

les Saints du Carmel

Carmel Kids